حوار ورأي متاحف عالمية كتاب في سطور فنون العمارة الفن وما حوله فنون عربية وعالمية التشكيل الكويتي
    العودة للأولى أجراس تشكيل الحياة ورقة من حياة فنان قراءات حرف

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 
  • نأمل أن يكون هذا المدخل كاشفا عن رحلة فنية بدأت عفوية مع الفنان "أيوب حسين" تعبر عن بواكير موهبة واعدة في هذا المجال، وتدرجت في مراحل مختلفة، تصقلها الدراسة والممارسة، وتثريها التجربة، وتدفع بها قدما ألوان من الرعاية والتشجيع تحيطها من جوانب متعددة، وتضعها دائما في موقع الرضا عن العمل، والرغبة في الوصول به إلى محاكاة الأعمال الفنية المتميزة، على الطريق إلى مرحلة التجرد الخالص لهذا الفن الذي امتلك حواس الفنان ومشاعره فعاش له، ومعه، وبه، مراحل الصبا والشباب، وامتزجت في ساحته المشبعة بالإلهام والخيال رغبته في الإجادة والإتقان من ناحية، وحرصه على النجاح في المهام الفنية التي تحمل مسؤوليتها خلال رحلته في الحياة من ناحية أخرى.

وهذا يقتضى التطرق إلى حديثه- في اختصار- عن بروز أعمال فنية لديه لها علاقة وثيقة وصلة وطيدة بما يسمى بالفن التشكيلي، وذلك إبان الحقبة الماضية في الأربعينيات وما قبلها، وكذلك إلى حديثه عن شيء من تجاربه الخاصة أفدناه من محاضرة ألقاها الفنان نفسه بمعرض الكتاب الخامس والعشرين مساء الإثنين الموافق 20/ 11/ 2000 م المقام على أرض المعارض بمشرف حيث يقول: إنه في تلك الفترة لم يكن هناك ما يسمى بالفنون التشكيلية، ولم يوجد على الساحة فنانون بحسب مفهومنا المعاصر لمثل هذه المسميات، بل برز في الكويت ممتهنون لحرف قديمة أدوا أدوارهم، وأفنوا حياتهم في خدمة أهل زمانهم ممن عاشوا على البساطة والقناعة والرضى بما قسمه الله لهم، فانتشرإنتاجهم، وراجت سلعهم، وعمت كل بيت. فكانت تلك الحرف- التي سادت- البداية في نشأة الفن التشكيلي. ويعد أصحابها فنانين بالفطرة، كالحداد والصفار والتناك والقفاص والبناء والمجني والخواص ودامك الحبال والنكاس والصائغ والخياط والنداف والخراز وصناع السفن وصناع الأبواب والصناديق الخشبية لسيارات النقل وصناع شباك الصيد والديين والكراكير وخياطة البشوت وتطريزها وغير ذلك.
هذا إلى جانب ما يقوم به النسوة من مشغولات فنية هي في غاية الإثقان والفن الرفيع، كاستعمال (البريسم والزري والتيل والترتر والمنمنمات) في أعمال التوشية للثياب، وخياطة (الكرخانة) لأعمال التطريز، وحيا كة (الكحافي) و (تكركش) الغتر الرجالية. وخياطة الملابس بجميع أنوا عها وعمل (الكشكش) بالإضافة إلى براعتهن في صباغة الأقمشة وخيوط الحياكة.
أضف إلى ذلك، التفنن في أعمال الزخارف والنقوش وتخضيب اليد بالحناء والوسمة بمادة ما يسيح من قشور (الناريل) عند إحراقه أو تسييحه وعمل الدمي أو ما يسمى (باللعبة والكردية). وما إلى ذلك من الأعمال الحرفية والفنية التي شهدتها الساحة الكويتية قبل ظهور النفط فأثرت، وأثرت في الارتقاء بأذواق الناس عامة. فى هذا، ومن خلال مشاهداته للبنائين في أثناء طفولته، صار يشرع لاشعوريا في بناء غرفة صغيرة كانت تسمى "دويره" ويعمل على تسقيفها مستعملا في ذلك بعض الخامات من المخلفات كالأخشاب والعصي والطين والصخور، كما كان يعمل لها بعض الأبواب والفتحات، ويطل برأسه الصغير إلى داخلها فيخيل إليه أنه ساكن فيها، متناسيا أنها قد تكون ملجأ آمنا لبعض العقارب والحيات التي كانت تقطن البيوت قديما. وحينما كان يرى النجار كذلك يعمل على تقليده بتصنيع كرسي من أخشاب ضعيفة ومسامير لا تتحملها هذه الأخشاب، وعندما كان يوقفه على الأرض سرعان ما يترنح وينهار، وتتناثرأخشابه، فتتناثر أحلامه معه. وهكذا كان الأمر معه عندما كان يرغب في عمل قفص أو صندوق أو سلم يرتقي عليه.
ولم تقف رغبته في المحاكاة عند هذا الحد، بل قام بإحضار بعض صفائح التنك المسماة (كواطي كاز) وبعض الأخشاب وشرع في صنع سفينة صغيرة منها تسمى (تناك) لاتتسع إلا لركوب طفل واحد مثله، كان يتحمل عناء حملها على كتفيه الضعيفتين إلى البحر في المياه القريبة، وحينما يمتطيها لاتكتمل فرحته بها، إذ أن احتمال غرقها أكثر من استوائها. فيعود متعبا بها إلى بيته بثياب تالفة وملوثة بالزفت الأسود المسمى (سيَّالى)، هذا الذي لابد من صبه بها لسد الثقوب والفراغات بين أوصالها. وكثيرا ماكان يقلد مع رفاقه أصحاب الحـمير الذين ينقلون الجص والطين، إذا ما توافر لهم (العوعو) وهو نجمة البحر الذي يأتي به الغواصون حين عودتهم من رحلة الغوص، فيقدمونه كهدية قيمة لأطفال الفريج، وحالما يتسلمونه كان كل منهم يعمل على خياطة خرج من القماش- بمساعدة أمه- يضعه على ظهره ويملؤه بالحصى والأتربة ثم يجره بواسطة خيط يربطه في رقبته، فيخيل إليهم أنهم لا يختلفون كثيرا عن الحمارة. كما يتخيلونه أحيانا بعيرا يسعون به إلى الحج تقليدا للحجاج الذين يغادرون إلى البلاد المقدسة على ظهور الجمال آنذاك. وحين كانوا يلاحظون أصحاب الدكاكين يستعملون الميزان ذا الكفتين المعروف قديما، يأتون بعلبتين وعصا وخيوط فيصنعون ميزانا يزنون به أتربة وصخورا وغيرها. وحتى (الدندرمه) أو ما يسمى (بالآيس كريم)، فإن الأستاذ "أيوب حسين" قام بتصنيعه بما يتوافر لديه من علب وملح وثلج، وغيرهما، تقليدا لصاحب (الدندرمة) المشهور في ذلك الزمان.
وبجانب ذلك فقد كان في طفولته يهتم كثيرا بصنع العديد من المستلزمات التي يستعملها في ألعابه، وفيما يشغل به أوقات فراغه من مبتكرات وهوايات، فيقوم بعمل الفرارات والطيارات الورقية وخياطة خيمة صغيرة أو شتر. وعمل (كاري - دراجة) حديد (بوريلين - عجلتين) أو (بوأربع – أربع عجلات) كالذي يصنعه الحداد تماما، وجليب الدو، وكافود مزين، وبنديره، وطنبا خية من الخرق أو الصوف المطرز، وديرفه، وعود أو ربابه، و وارده، ودنبك، وتلفون، وعدال، وصلاليب للشبج، ونبا طة، وفخ، ونبا له، وسعدو، وكتويل، وعربانه. كما كان يعمل عقربا من القماش الأسود والسلك والخرز ويسحبها ليلا بخيط رفيع لا يرى في الظلام أمام الموجودين فيهبون جميعا إلى قتلها، ثم تنكشف الخدعة.
وقد كان للطين الصلبي أثر في حياته هو ورفاقه، فعندما يعثرون عليه يقومون بعمل تشكيلات عديدة منه، كالأواني والعربات وأم الحصن والحيوانات والرحى والمناحيز، ويستعملونه للعبة (طرباش لوماش). ولا ننسى ما أشار إليه كـذلك من حبه وولعه بتصنيع (البنديره) وهي علم الكويت، يربطه على سارية تحيط بها قصاصات من الأقمشة الملونة ينصبها في أعلى مكان فوق سطح البيت بحيث يواظب على رفعها صباحا وخفضها مع مغيب الشمس وذلك تقليدا (للبنديره) الحقيقية المنصوية في ساحة قصرالسيف إلى يومنا هذا. وكذلك الشبج الذي لايمر عليه ربيع إلا وينصبه لصيد الطيور. وهذا عدا كـثير من المشغولات التي مارسها مع كثير من أقرانه بعفوية، حيث كان لمدارس المعارف الأربع في نهاية الثلاثينيات، والأريعينيات الفضل الاكبر في بث الروح الفنية بين الطلاب والعمل على تنمية الناحية الوجدانية فيهم، وذلك من خلال حصص الرسم والأعمال اليدوية على أيدي معلمين كويتيين وغير كويتيين، وما يقام من معارض فنية تعرض بها مشغولات "متنوعة" خاصة لدى مدارس البنات اللواتي برعن في هذا المضمار. وخلال حصص الرسم في المدارس قديما كان المدرس يرسم على السبورة نماذج ومفردات مستوحاة من البيئة، وغالبا ما تكون مما صنعه الحرفيون الذين ذكرناهم انفا (كـالتب والإبريق والكرسي.. الخ) ثم يكلف طلابه نقلها في كراساتهم، مما يساعد على التفكير والملاحظة وتعرف المقاييس والأبعاد وخط مستوى النظر وما إلى ذلك من قواعد علمية وفنية في هذا المجال.
وقد اشتهر في المدرسة المباركية مع بداية الأربعينيات معلم الرسم (سيد هاشم الحنيان). وبرز في المدرسة الشرقية الأستاذ (معجب الدوسري) وهو فنان بارع ولكن الموت لم يمهله، رحمهما الله تعالى. وكان للأستاذ (عقاب الخطيب) الفضل الكبير في تعليم طلابه بالمدرسة المباركية النجارة كنشاط، فضلا عن تدريسه للأعمال اليدوية، وكان يطلب إلى تلاميذه إحضارصفائح الكرتون التي يجدونها ملقاة أمام الدكاكين في الأسواق، ليعملوا منها علبا ومجسمات متنوعة، كما يجلبون الطين الصلبي إليه، ليتعلموا منه عمل نماذج الفواكه ويقومون بتلوينها بالأصباغ الختلفة. والى جانب هذا يتعلمون دمك الحبال وسف الخوص على يد معلمهم المرحوم (محمد الشايجي). هذا فضلا عن المسابقات التي تجريها إدارة المدرسة في الرسم في أثناء الأنشطة التي تؤدى على ساحة المدرسة عصر كل يوم اثنين.
وفي عام 1944 م تقريبا أقيم معرض فني لطلاب المدرسة المباركية وهو أول معرض يقام لطلاب المدارس، فشارك فيه الطالب أيوب حسين بعمل مجسم من الكرتون لساعة طاولة حازت على إعجاب مدرس الرسم المصري (على سلمان) فعرضها له، وكانت هذه هي الانطلاقة الأولى في مسيرته الفنية.
وكانت المدرسة تقيم أنشطة لطلابها فتخصص فقرة في الرسم يتسابق فيها الطلاب مما يبعث على التسلية وحب المادة وصقل الموهبة. ويذكر الأستاذ أيوب حسين أنه حين فراغه من المدرسة وكتابة الوظائف المدرسية كان يترك البيت ويخرج للعب بما صنعته يداه من شتى المشغولات اليدوية حسبما تقدم. وبالإضافة إلى هذا كان يقوم بنقل ما يقع تحت يده من صور وتقليدها. ومثالا على ذلك قام بتكبيرصورة للمرحوم الشيخ عبدالله المبارك بطريقة عفوية وبواسطة قلم الرصاص، ثم عرضها على المرحوم والده فسر منها، مما شجعه على المواصلة. فتارة كان يعمل على تقليد بعض العملات الورقية (كالربية) التي أحس كأنها حقيقية، وتارة يعمل من معجون الورق صحونا. والى جانب هذا فقد كان يتخيل ويرسم خرائط جغرافية لبلدان وهمية وحدود عشوائية ملونة بشتى الالوان.
ولما نجح في الصف الرابع الابتدائي (الثالث متوسط حاليا) عام 1947 م وكان عمره انذاك خمسة عشرعاما انضم هووسبعة من زملائه الطلاب إلى صف المعلمين الذي افتتح لأول مرة في الكويت لتخريج معلمين كانت الكويت بحاجة ماسة إليهم. وكان مقره بالمدرسة الشرقية حين افتتاحها في العام نفسه. ومن ضمن المناهج التي كانت تدرس فيه المواد التأهيلية كالتربية وعلم النفس والطرق الخاصة للتدريس، ومنها كذلك كيفية تدريس مادة التربية الفنية أو (الرسم والأشغال) التي أحبها أيوب حسين ووجد نفسه مندفعا إليها نظرا لما لديه من خلفية عن الرسم والأعمال التشكيلية والتعامل معها منذ الصغر بطريقته الفطرية.
وبقي في صف المعلمين سنتين متتاليتين درس فيهما مع زملائه مختلف المواد وطرق تدريسها، ثم عينوا بعدها مدرسين بمدرسة الصباح حين تم افتتاحها للعام الدراسي 1949- 1950 م حيث أوكل إليه جدول تدريس لبعض المواد العامة، ومن ضمنها مادة الرسم والأشغال لأطفال الروضة فيها، أي ما يعادل المرحلة الابتدائية حاليا.
ومن خلال ذلك ازداد نشاطه وتعلقه بهذه المادة فانطلق في عمله محبا له، والى جانب أعمال التدريس صاريرسم بعض الوجوه لعدد من الطلاب والمدرسين، وأحيانا يكبر صورا لبعض المدرسين وأبنائهم بطريقة المربعات.
ولما تولى المغفورله الشيخ عبدالله السالم الحكم عام 1950 م كبر له صورة شخصية بمقاس 155×155سم فاستحسنها ناظرالمدرسة المرحوم حمد الرجيب وعلقها في صدارة غرفة مكتبه، مما شجعه كثيرا ورفع من معنوياته.
وتوالت بعد ذلك التشجيعات، فكبر صورا للمغفور له الشيخ سالم المبارك الصباح والمغفور له الشيخ عبدالله الجـابر، وكلها علقت بغرف الإدارة. كما كبر صورة له وأخـرى لوالده بعد وفاته عام 1952 م.
أما عن تجاربه مع الرسم بمختلف الالوان وبخاصة الزيتية منها:
فلقد كان في الوقت نفسه يتسلى كثيرا بتكبير بعض المناظر الطبيعية الأوربية، نفذها بألوان الباستل على ورق الكرتون السميك. وكذلك رسمها بالالوان المائية (الجواش). وكثيرا ما عرض أعماله على المدرسين فاستمع إلى نصائحهم. وأفاد منها.
ويقول الأستاذ أيوب حسين: "في عام 1952 م كان معنا مدرس رسم اسمه عمر جبريل دعاني ذات مساء إلى غرفته ليطلعني على بعض أعماله؟ فوجدته يرسم لوحة لمنظر طبيعي أوربي يشتمل على منزل جميل به شرفة تطل على مياه البحر الذي تحيط به الجبال وبجانب المنزل قارب صغير به مجدافان.. إلخ. وكان يرسم ذلك بالالوان الزيتية التي يخلطها بمادتي زيت بذر الكتان والتربنتين، وكانت روائح تلك المواد تملأ جو الغرفة مما اجتذبني وأخذ بلبي وتمنيت أن أكون مثله ولكن

من أين لي قماشى كالذي يرسم عليه ويسمى (كنفس)؟
ولما توجهت إلى بيتي أحضرت قطعة من قماش (الطربال الأخضر) وبعض الألوان الزيتية وصرت أتذكر لوحته وأقلدها، وشتان بينها وبين لوحة فنان متمرس كالمدرس عمر.
وفي خلال يومين جفت اللوحة، ولكن استحييت أن أطلع عليها أحد لسوء تنفيذها ما عدا خالتي-رحمها الله- التي شجعتني وطلبتها مني لتعلقها في إحدى غرفها وقد فعلت، مما دفعني إلى تكرار المحاولة ولكن بمنظرآخر استحسنه كثير من المدرسين.
وبالإضافة إلى ما تقدم فإن المرحوم حمد الرجيب كان لايستغنى عنه فيكلفه برسم المناظر اللازمة للمسرحيات التي تؤدى على مسرح المدرسة ويشارك هو فيها أيضا، الأمر الذي جعله يطلب إلى دائرة المعارف في تقريره السنوي عن المدرسة أن ترسله في بعثة لدراسة الفنون.
وفي منتصف العام الدراسي 1953- 954 ام وفي أثناء هطول الأمطار الغزيرة انتقل ناظر المدرسة حمد الرجيب إلى مدرسة الصديق (المتوسطة) فاختار معه نخبة من المدرسين، وكان أيوب حسين واحدا منهم، حيث اختصه بتدريس مادة التربية الفنية إلى جانب الإشراف على أحد الأجنحة. فاجتهد في ذلك، وأقام مع زملائه معارض للطلاب حازت على الإعجاب. ثم توالت معارض المدارس بتوجيه من مكتب تفتيش التربية الفنية الذي كان لايألو جهدما في توفير جميع لوازم المدارس بسخاء ليس له نظير. وإلى جانب هذا فإنه لم يتوقف عن ممارسة هوايته المحببة؟ فرسم صورا شخصية للرئيس جمال عبدالناصر، والرئيس شكري القوتلي الذي أطلق عليه (المواطن العربي الأول) والمشير عبد الحكيم عامر وآخرين غيرهم.
وثمة فكرة سيطرت عليه مع بداية العام الدراسي 1956-1957 م ألا وهي التفكير في ترك التدريس والانتقال إلى دائرة المعارف. دون سبب يذكر. وعلى الرغم من معارضة ناظر المدرسة لذلك، وتشبثه به، فقد تم انتقاله إلى مكتب مفتش التربية الفنية الآستاذ (خميس شحادة)، وهو أول مفتش للتربية الفنية شغل هذا المنصب عام 1945، وذلك لمساعدته في بعض الأعمال المتعلقة بالمادة.
وفي العام نفسه قررت إدارة المعارف إنشاء متحف وطني يضم تراث الكويت، وأوكل إلى الأستاذ خميس الإشراف على هذا المتحف وتجهيزه بما يلزم نظرا لخبرته. ولعل أبرز ما كلف به الأستاذ أيوب حسين هو متابعة الطلبات اللازمة لإنجاز هذه المهمة فقام باللازم، وبعدئذ تم نقله إلى المتحف ليكون قريبا منه فحقق فيه إنجاز أعمال فنية كثيرة كان يتمنى أن يؤديها:
فعمل بيده نماذج كـثيرة للبيت الكويتي القديم، والمدرسة القديمة، وصمم قطاعات عدة بيّن فيها طرق البناء القديم والمواد المستعملة، كما عمل نماذج لقاعة الغوص وغيرها.
وعند بداية العام الدراسي 1957-1958 م تاقت نفسه للعودة إلى التدريس مرة ثانية، فعارضه المفتش وعرض عليه وظيفة مدير للمتحف فاعتذر، وصمم على العودة إلى العمل مع التلاميذ، فعاد إلى مدرسته نفسها (الصديق)، التي انتقل منها أيضا عام 1958 م إلى مدرسة ابن زيدون في حولي لقربها من منزله، وعمل بها مدرسا للرسم كذلك.
وفي 25/ 12/ 1958 م أقامت دائرة المعـارف معرضا عاما بثانوية الشويخ تحت اسم (مسابقة البطولة العربية) شارك فيه الأستاذ أيوب حسين مع من شارك وعددهم ثمانودن مشاركا قدموا فيه (142) عملا.
وعندما رأت دائرة المعارف بروز هؤلاء الفنانين ووفرة إنتاجـهم قررت إقامة معارض سنوية تحت اسم (معرض الربيع) فأقامت تسعة معارض على صالة المدرسة المباركية ابتداء من (معرض الربيع الأول) المقام عام 1959 م وحتى (معرض الربيع التاسع المقام عام 1967 شارك فيها جميعا الأستاذ أيوب بأعداد لا بأس بها من اللوحات التي تعبر عن بيئتنا الكويتية القديمة.
ومن الجدير بالذ كر، أنه بعد أن لاحظت إدارة المعارف نجاح (معرض الربيع الأول) الذي شارك فيه أربعون فنانا قدموا (160) عملا، كان نصفهم تقريبا من الكويتيين، وبتشجـيع من مديرهـا المرحوم الأستاذ عبدالعزيز حسين، قررت العمل على ايجاد مقر مؤقت اقتطع من مدرسة قتيبة للبنين عام 1960 م وأطلق عليه (المرسم الحر) الذي صار يتردد عليه مجـموعة من أصحاب الهواية قد لا يتجاوز عددهم العشرة، وكان الأستاذ أيوب حسين واحدا منهم. حيث وفرت لهم بعض الخامات واللوازم التي يحتاجون إليها لممارسة هواياتهم الفنية بالمرسم. ومن هنا كانت الانطلاقة الحقيقية للفن التشكيلي في الكويت.
وفيما كان الأستاذ أيوب حسين في زحمة العمل والمشاركات الفنية عرض عليه زميله الفنالن المرحوم أمير عبدالرضا مشاركته في معرض فني ثنائي، فأقاما معرضين مشتركين بصالة المدرسة المباركية لأول في 20/ 2/ 1966 م، والثاني في15/11/1969، وقد نجحا في ذلك، واختيرت أعمالهما لتطوف بدول المغـرب العـربي وياريس. وحـينمـا أشـهـرت جـمـعيـة الفنون التشكيليـة بتـاريخ 11/ 2/ 1968 م، وأخذت على عاتقها إقامة معارض سنوية متعددة داخل الكويت وخارجها، كان الأستاذ أيوب حسين عضوا بارزا بأعماله فيها، وأحد المشاركين الدائمين بمعارضها التي طافت بشتى أنحاء العالم.
كما لاننسى أبدا دوره في المشاركة بكثير من الأعمال خلال المعارض التي أقامتها جمعية الخريجين عام 1973 م وجمعية المعلمين عام 1974م والمتحف الوطني ووزارة الإعلام والمجلس الوطني للثقافة والفنون وا للاد اب.
ويعد تلك الفترات المليئة بالنشاط الفني الذي كان لايتوقف عند حد، قرر الأستاذ أيوب أن يكمل المسيرة ويقيم معارض فنية شخصية بمفرده دون أن يشاركـه فيها أحد، جاءت كلها تحت اسم: (المعرض الفني.. للبيئة الكويتية). فتم له ذلك، وأقام ستة معارض كان أولها بتاريخ 13/ 11/ 1974 وآخرها بتاريخ 1/ 4/ 2000 م ونجحت نجاحا منقطع النظير وحازت على إعجاب كثيرممن يحبون هذا النوع من ا لرسم.
ولايزال هذا الفنان الأصيل مستمرا بمواصلة العطاء في رسم بيئتنا الكويتية الحبيبة التي أحبها وامترج حبها بدمه وكيانه، وتشربته عواطفه واحساساته، فلا يستغني عنها، ولا هي تفارق خيـاله.
وفي النهاية لا نجد أعظم وأروع مما ذكره الأستاذ أيوب حسين عن نفسه حين قال: "ومع تقدم السن بي وممارستي للرسم وانكبابي عليه لساعات متأخرة من الليل لا أحسها إلا مع أذان الفجر، فإنني دائما ما تعتريني بعض الأفكـار لعمل مشغولات يدوية متعددة ونماذج ومجسمات متنوعة، ولا أرى نفسي إلا منجرفا نحو تنفيذها بما يقع تحت يدي من مختلف الخامات، وسواقط الأشياء، فأقضي معها وقتا طويلا وأنا في منتهى السعادة والسرور. الى جانب هذا وذاك فإنني أمارس نجارة الخشب وأنجز منها أعمالأ كـثيرة لها صلة وثيقة بتراثنا الجميل وماضينا الشيق".
هذا ما أردنا ذكره عن معايشته للفن التشكيلي في الكويت وأملنا أن يكون فيما قدمنا من هذه المسيرة نفع وخير لأبنائنا، أبناء الأجيال المعاصرة واللاحقة، والله من وراء القصد وهويهدي إلى سواء السبيل.

  • عن كتاب التراث الكويتي في لوحات أيوب حسين الأيوب – صادر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية 2002
 
23 10

2002

               

 

 
 
 

 

جمبع الحقوق الفنية والأدبية محفوظة للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل 2000-2008 ©

WWW.ALTSHKEELY.COM