حوار ورأي متاحف عالمية كتاب في سطور فنون العمارة الفن وما حوله فنون عربية وعالمية التشكيل الكويتي
    العودة للأولى أجراس تشكيل الحياة ورقة من حياة فنان قراءات حرف

 

  أحمد غانم


 

الرحلة

الرحلة

النقطة الحرجة

النقطة الحرجة

طائر وصاحبه

طائر وصاحبه

النافذة

 
  • يصعب تجاهل اسم حميد خزعل حين التحدث عن المصورين الخليجيين المحدثين، كما أن هذا التجاهل مستحيل إذا فتح ملف السريالية في الخليج العربي، وعلى الرغم من أن أعماله السريالية ليست سوى أقل من عشرين لوحة، لكنها تحمل تجربة سريالية مميزة ومتواصلة، وذات مذاق خاص. 

لا يصدق حميد في قول، قدر صدقه حين يقول "أنا ضد التيار وأخالف الذوق العام بإصرار" (ولعله يعنى بالذوق العام هنا ما يشيع في التصاوير الخليجية)، فهو لا يحرص على شيء قدر حرصه على سره ورمزه الخاص، وحيث تطاوعه ريشته، وتطاوعه نفسه ف "يرسم القبح في أكمل صورة"، والقول لا يزال له: "أنا ضد .. القيمة الجمالية لأرستقراطية الصالون (العربي) الباحثة عن مزيد من أشكال الترف الممل". 
وهو بهذا يحدد هدفه، وبوصلته تشير بوضوح: أنه ضد القطيع .. أنه مع القطيعة الاجتماعية، وهو يشبه عينا باحثة عن همس الذات الخليجية، التي تتشكك في المعطيات، والظاهرة كلها أنه ببساطة ضد الترف، ومع الكآبة. 
وبدا هذا طبعا، وموقفا فلسفيا، وبدت الكآبة عنده هي عنوانا لصدق أحزانه الخاصة. 

معاناة الانتماء والولاء  
وهو يكاد يأكل من حزنه، ويكاد يقتات عليه الحزن ، بالتناوب وما بين أكل ومأكول يبدو ظل أو شبح سلفادور دالي، شبيها بمخ يمتد -  من فوق - شريطا متلويا حتى طرف حذائه، وإذا كان قد أولع فترة، بـ " دالي "، كثقافة عامة، وثقافة تشكيلية وسريالية إلا أنه نقيض دالي، كما أنه لا يشبه "البهلول" أو الحاوي في شيء، ففي يقينه أن الأمر هو الـ "محنة" وهى محنة تراجيدية، لا شيء فيها من الفانتازيا أو الاستعراضية البهلوانية، " لقد ظللت أعاني كثيرا . . كثيرا، ولسنوات انتماء خاص . . ولاء خاص . . حزن خاص "وهو لحزنه الفردي المستغلق في عطف دائم على المصير الإنساني الفردي (والجماعة عنده ظل هذا الفرد) صوته هامس لا يمس، شديد الكآبة، لا ينتفع باستهجانه، ويناقض المارين في زفة النفط، وما بين لوحتيه: "المحنة" و" النقطة الحرجة" تتسلق نباتات أحزانه كدودة شريطية تصعد دائما الى الأسفل. 
لكن عملية: "محاولات عبيثة"- 85 و "الرحلة" - 84 ، يبدو أن دخيلين على مادته ولغته، فهو في "الرحلة" يقترب بنموذجية من المآزق النمطية الشائعة في الخطاب السريالي الخليجي، وتبدو مداخلات "المرآوية الغربية" غير مترابطة مع حزنه الوجودي الهامس، كما أنها ثقليه لا تحتملها الفرشاة الخليجية الشرقية "السطوحية". وهو في "محاولات عابثة" يرفع القبعة للدادائية والرمزية ، ونرى في كلا العملين "عمدية الفكرة " ووضوحها بما يكشف عن سطحيتهما النسبية، وخلوهما من الإفراغ العاطفي العميق الجواني، ولو أنه عمقهما - أكثر وضوحاً - ( بعقلية مصمم) لابتاعهما كملصق مباشر. 

الاستسلام للكآبة   
وتتبدي في أعماله، مداخلة حركية، كثنائية متناقضة، ما بين حركية نفسية و "حركية عقلية". 
 
فالكآبة عنوان وجوهر، هي اللافتة الظاهرة والمتن الأساسي، أنها ممارسة كاملة، بل أنها هدف غائي في ذاته ، يجري إليه الفنان من كل سبيل وفج، وإذا تلمس الفنان أثار هذه الكآبة وعطاياها فقد قدرته على التريث، ولم يعد محايدا كفنان يقود عناصره، بل يستسلم لريحها، ويرفع راية الاستسلام البيضاء أنه عاشق وله بها، فخور بها، كأنها منحته الخاصة، لكنه على الرغم من هذا "التخاذل النفسي" الذي يجعله مستسلما لكآبته، ولا عمديا، ولا أدريا (لا أدري ، فالعالم قدري)، إلا أن أعماله تشي بنوع من الزحف العقلي البطيء جدا، ورغبات التقصي التي تسبق العمل مريرة معانيها، قدرات الرصد بالغة الهدوء حتى الملال والكلال، والتدقيق والتمهل في الحسابات والرمز، وكل هذا وغيره أشبه بمن يستكشف سطح قاع البحر الغامض كفا كفا، وإصبعا إصبعا، وكل هذا التخاذل النفسي إزاء الكآبة، والحسابات الدقيقة للرموز والأشكال، يخلي الساحة لسطوحات وفضاء وظالمات لوحاته، آلتي تبدو أشبه بسديم الحزن حين يتفتح ككوة في باطن خفي. 

البحار والصوت الهامس   
ولعل رائعته الأولي هي ثلاثيته "البحار" ( 1981) التي كانت مشروع تخرجه في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وأخذ عنها درجة الامتياز، اللوحة علي الغلاف الأخير. 
وهذه الأعمال السريالية ذات "الصوت" الهامس الذي لا يكاد يبين، يصعب "سماعها بالعين" في المعارض الجماعية العربية التي تعلو فيها البيارق الحمراء والصخب والمجاهرة، لكن هذه اللوحات إذا عرضت، مصادفة، متجاورة تتساند قواما، وتشتد حرارتها، وتتكامل تكويناتها، كأنها لوحة واحدة مستمرة، وتلك آية صدق داخلي، وجوهر مناجاة باطن متوحد. 

بين القناع والجوهر   
لكن حميد خزعل عند من يعرفونه، وهم كثير ، شخصية مختلفة جدا، أين منا القناع وأين منا الجوهر؟ 
وإذا كان الأصل اللاتيني لكلمة شخصية هو Person التي تعني "القناع" فكم قناعا في إنسان؟ 
وهاهي صورة أخري للفنان الشاب: أنه صاحب بشاشة ظاهرة، ومودة غالبة، ونشاط جم، وأدب شديد لماح، باسم يتقافز الضوء من إنسان عينيه، وهو مخلص لزملائه، نزيه عادل في عمله، يثير في من حوله الحماسة، أنه كشخص، كإنسان نقيض الكآبة، وهو لا شك مكسب كبير للحركة التشكيلية الخليجية، فهو "محرك" الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، في السنوات الأخيرة الخوالي. 
ولقد رافق ظهور هذا "القناع" أو "الوجه" للعيون، اشتغاله بالآخرين من جانب آخر، فهو يتابع بقلمه المعارض التي تتري على الساحة الكويتية، ولاشك أن هذا يمثل استمرارا لشخصيته كمعلم فنون للأطفال، فالوجه الاجتماعي يبدأ عنده من تجربته مع الأطفال، فمن هناك بدأ يقيم صلته مع العالم الخارجي، ومن هناك بدأ يشعر بالحرية.
من الأعماق للنافذة  
وقد آن لهذا الوجه العام الواثق الدافئ، أن يطبع على وجهه الآخر الباطن بإشعاعه، فيمزج ما بين الحزن الفلسفي الوجودي والإمكانية العامة، ولعل باطن الحزن أو حزن الباطن يمتزج بالحركة فوق السطح العام، وفي لحظة صادقة، بدا كمن يتنفس: السطح.. السطح.. السطح.. هاهو يمس السطح، خارجا، من الأعماق الجافة الموات، باحثا عن "النافذة" تلك لوحته الأخيرة، الأرض تكتسي بخضرة معقدة، ورموزه تتخفف من مشخصاتها البشرية والدودية، وتتركز العلاقات في علاقات هندسية، تمضي كطرقة فوق السطح تستكشفه، طرقة هي تفعليه " ظهور واستعلان" 
وهنا يتخلص عمله من " الكآبة " الكبريتية الحامضة، ويستبدل الجلد الأزرق الداكن بخضرة بل تتثاءب، وتتحور سرياليتة نحو تجريدية ذهنية، عقل يبحث عن إطار، يستكشف من "النافذة" أبعادا فوق السطح. 
وهنا يتوقف حميد عند "النقطة المضيئة"، ولعله يمضي مستكشفا، متوازنا، ما بين باطن جواني حزين، بين ظاهر صعب مساره، ليفصح عن إمكاناته. 
لاشك أن حميد خزعل صاحب عقلية سريالية مطبوعة، وهو اسم واعد في عالم السريالية الخليجية، ولعله يتمكن من وضع "أجرومية" لسريالية خليجية لها معادلاتها ومعطياتها، ولعله يستخلص بسرعة فائقة، أنقى عناصره، في رحلته باحثا باعثا شخصيته الكلية التي ينبغي عليه أن يفرغ ويخلص لها من كافة مشاغلة ليستكشفها بقوة أكثر.

  • مجلة الكويت

 
2 10

2002

               

 

 
 
 

 

جمبع الحقوق الفنية والأدبية محفوظة للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل 2000-2008 ©

WWW.ALTSHKEELY.COM