التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

  عبد العزيز آرتي


     
    حميد خزعل
    المرحوم محمد الدمخي
    محمد الدمخي
    محمود الرضوان
    محمود الرضوان
    محمد قمبر
    محمد قمبر
     
  • ولد الفن التشكيلي في العالم العربي متأخرا لأسباب دينية. ولم تستخدم الفنون التشكيلية الإنسان أو الحيوان كمادة لها للسبب ذاته حتى نهاية القرن التاسع عشر.
بالرغم من أن الفن التشكيلي كان له وجوده الكثيف في مصر الفرعونية، إلا إن الفترات التاريخية التي أعقبت المراحل الفرعونية، لم تشهد مثل ذلك الرواج والازدهار الفني الذي يبين جيدا من الآثار العديدة الموجودة هناك.
وقد كانت مصر الأسبق بين شقيقاتها العربيات في الاهتمام بالفنون التشكيلية، وذلك اعتبارا من الفترة التي شهدت إرسال البعثات إلى الخارج عندما تولى محمد على عرشن البلاد ورغب في بناء دولة عصرية تحقق له حلمه الكبير في بناء إمبراطورية مترامية الأطراف.
ونتيجة ذلك الاحتكاك تأثر الفنانون المصريون بالفنون الأوروبية التي كانت تعيش أوج ازدهارها منذ عصر النهضة. ولم يقم الفنانون المصريون بنقل المدارس الأوربية كما هي، ولكن حافظوا على تراثهم العربي والفرعوني ومزجوه بالمدارس المعاصرة وقتذاك بأساليبها المختلفة.
ونذكر من هؤلاء الفنانين الذين جمعوا في أعمالهم بين الأصالة والمعاصرة، النحات محمود مختار والفنانين محمود سعيد واحمد صبري وجمال كامل ويوسف كامل ومحمد ناجي الذي درس الفن على يد الفنان التأثيري الفرنسي كلود مانيه.

 

التلقائية أولا
والكويت مثلها في ذلك مثل بلاد الدنيا، عرفت مختلف أشكال وألوان وأنواع الفنون والآداب، في المراحل المختلفة من تاريخها الممتد لما يقرب من ثلاثة قرون. وبالتأكيد، فإن الإنسان الكويتي عبر عن نفسه وعن مكنوناته في أشكال فنية ارتبطت بالمرحلة التاريخية التي عاشها. وتظهر القدرات الفنية لهذا الإنسان في شكلها التلقائي، أي غير الخاضع لأصول علمية مدروسة كالتي نعرفها اليوم، في زخرفته لمسكنه بتقسيماته العديدة أو في نسج الصوف المعروف بالسدو. كما تظهر في معمار المساجد والأدوات التي كان يستخدمها. وهذا الأمر ليس غريبا، فالحضارات والفنون على وجه الخصوص، وجدت طريقها إلى الوجود عبر التلقائية أولا، حيث مارسها الإنسان لإشباع حاجة في نفسه دون أن تكون لديه فكرة بأن ما يقوم به سوف يصبح علما قائما بذاته وله قواعده وشروطه في يوم من الأيام. فهكذا كان الأمر في اليونان القديمة، وفي مصر الفرعونية، وفي بلاد الرافدين، وفي عصر الجاهلية في الجزيرة العربية، وفي الحضارة الصينية القديمة.
وربما تراجعت الفنون أو ازدهرت في المراحل التاريخية المختلفة، حسب المسموح والممنوع، أو المشروع والمحرم، ولكن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال إن الفنون اختفت في يوم من الأيام، بل هي باقية ما بقى البشر فوق سطح كوكبنا، لان الفن على وجه الخصوص مرتبط بالإنسان ومتصل بنفسيته وبروحه وبعواطفه ومشاعره، وهو شرط لازم لخلق حالة الاتزان التي لا يمكن للوجود أن يستمر بدونها.
الفنون العصرية وفى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، خطت الكويت التي كانت تستعد لمرحلة جديدة في تاريخها، بالاستعانة بالدول العربية الشقيقة لدخول ميدان التعليم العصري. وكان قد سبق ذلك افتتاح عدد من المدارس بمبادرات أهلية قبل أن تنتقل المهمة إلى الحكومة، بغرض تعليم الكويتيين والكويتيات ضمن مناهج علمية تربوية منظمة. وضمن أفواج المعلمين والمعلمات القادمين إلى الكويت، خاصة بعد اكتشاف النفط وزيادة قدرة الإنفاق على التعليم، جاء مدرسون ومدرسات التربية الفنية.
لم يفد المدرسون والمدرسات إلى أرض جدباء، وإلا كان جهدهم مجرد عبث ووقت ضائع، ولكنهم وجدوا تربة لديها فنونها التلقائية حتى ولو كانت متواضعة، وبالتالي كان من السهل عليهم أن يزرعوا البذور ويتوقعوا إنباتها و إثمارها بعد إعطائها الوقت المناسب. وأيضا وجد الطلبة الكويتيون النهمين إلى النهل من المعارف الحديثة بمختلف أقسامها العلمية الأدبية والفنية، في خبرة المدرسين العرب الذين قدموا إليهم من أقطار شقيقة لديها مدارسها الفنية وخبراتها المشهود لها والمعترف بمهاراتها معينا يشبع حاجاتهم. وهكذا وجدت الأرض العطشى الماء الذي يرويها لدى الأشقاء، فارتوت الأرض وأنبتت البذور نبتا طيبا وأثمرت فنانين، شدت معارضهم وأعمالهم أنظار النقاد في الداخل والخارج!.
وكان شروق شمس الفنون التشكيلية في الكويت على أيدي الفنان الراحل معجب الدوسري والفنان عبد الحميد الفرس في خمسينيات القرن الماضي، أي بعد سنوات قليلة من وفود المدرسين العرب. وكانت أعمال ورسومات الفنانين بعيدة عن العمق المعروف الآن، وكانت النسب التصميمية لدى كل منهما بعيدة عن خط الواقع الفوتوغرافي.
وفى بداية الستينيات، ظهر الفنان أيوب حسين والفنان المرحوم أمير عبد الرضا. وقد اشترك الاثنان في عامي 1962 و 1963 في معارض الربيع، التي كانت إدارة المعارف قد تبنت فكرتها وافتتحت أولها في مارس عام 1959 لتشجيع الفنانين على العطاء وتبادل الخبرات مع بعضهم البعض وخلق جسور اتصال بينهم وبين الجمهور وتعظيم قاعدة متذوقي هذا اللون الجديد من الإبداع. وكان الفنان أمير عبد الرضا قد درس على يد الفنان محمد حسني البناني وتأثر به تأثرا كبيرا من حيث تحليل الخط واللون واختزال التفاصيل بولوج اللون الأبيض على مدار اللوحة بمزج لوني قوي مدروس كما يتضح في لوحة جالبوت.
وتأثر عدد آخر من الفنانين الكويتيين بأسلوب الفنان محمد حسن البناني، من أمثال المرحوم محمد الدمخي والذي تظهر لوحته "الباجلاء- 1967" هذه الحقيقة. وفي لوحة الفنان عبد الله القصار المسماة "حي شعبي" وكذلك لوحته "الساقية " نجد انه اعتمد أسلوبا يقوم على قوة الخط والمبالغة في تحوير الجسم والأطراف والاختزال في التفاصيل وتبسيط المساحات اللونية. ويعتبر هذا الفنان الأكثر تأثرا عن غيره بالفن المصري، وخاصة في المزيج اللوني القوي والتكوين الجسماني المصري المميز القادم من خطوط فرعونية مختصرة، كما يبين في لوحتي "خابزة الرقاق " و"دق الهريس ".
واعتمد الفنان جاسم بوحمد على المضمون الفكري للعمل الفني، ولذلك كان تركيزه على العناصر التشكيلية بتوزيع ضوء سلويت مطعما بألوان قوية بغرض إبراز الموضوع الذي تناوله في لوحته. وهذا اللون من الإبداع يظهر تأثرا كبيرا بالفن العربي الذي أعطى قضية الموضوع اهتماما كبيرا.
ولكن الفنان محمود الرضون اختلف عن غيره، فقد استطاع هضم دراساته بشكل جيد واستفاد منها لإخراج أعمال فنية مبتكرة من حيث المضمون والشكل عكست جميعها البيئة الكويتية الخالصة كما في لوحة "نقعة الشملان" حتى وان كانت هذه البيئة متصلة بالبيئة العربية الأوسع، إلا أن لها تميزها وخصوصيتها. ولذلك مزج اللون وتراكيبه الكيميائية بأسلوب فريد في السرد، من تأكيد للخط والتفاصيل، وحصر اللون في العنصر التشكيلي، و إعطاء الضوء مساحة كبيرة في اللوحة مع احتفاظ المجموعة اللونية بخصوصيتها الدائمة في جميع لوحاته.
 ويظهر تأثير الفنون العربية في بدايات الفنان خليفة القطان، فكانت خطوطه تجريدية، ذات منحنيات تحمل عناصر هذا التجريد، ولكن بتكوين وطابع عربيين. وفي مرحلة تالية، تحول القطان إلى الخط السريالي برموزه وعناصره الأحادية التي تعبر عن الموضوع ببعده الحياتي الفلسفي الخاص.
وحالة الفنون العربية بشكل عام تعكس تأثرا بالحضارات القديمة كالفرعونية والآشورية، وغيرها من الحضارات. وكانت فنون تلك الحضارات لها طابعها التكويني المختزل بعيدا عن التصويرية والفوتوغرافية. من هنا كان اهتمامها بالتكوين الخطي وبروعة التصميم الذي يمكن وصفه بـ "السهل الممتنع ". وكانت تلك الفنون تخدم النواحي الدينية اليومية، وتمجد الملوك وتسجل عاداتهم واهتماماتهم وطقوسهم، مما جعل هذه الحالة تتواصل على مر العصور.
وفى محاولة للفكاك من ذلك الأسر الفني، حاول الفنانون فيما بعد التعبير عن أصالتهم بتطوير الخطوط القديمة وإدخالها كعناصر تشكيلية ورموز إيحائية تعبر عن هويتهم الفنية. واستعان البعض، في معرض محاولاتهم التجديد والتطوير، بهذه التكوينات غير المرتبطة بنسب واقعية وقاموا بتطويعها كمفردات تضيف للنكهة العصرية، وبذلك التقت المعاصرة والحداثة مع التراث.
وتم ذلك من خلال معالجة الأعمال بخامات متعددة لإظهار الصورة الإبداعية، وتجسيد العناصر عبر لوحات مسطحة وتماثيل ذات أبعاد ثنائية وثلاثية مطورة وبصورة تؤكد أصالة الفنان.
بالمقابل اقتصر الفن التشكيلي الإسلامي على الزخرف والخط، ولذلك نسبت إبداعات الفنانين في هذين المجالين إلى الفن الإسلامي بشكل عام اكثر مما نسبت لمبدعيها من الفنانين.
عروبة الفن الكويتي
استطاع الفنان الكويتي، وكما قلنا، ان يجد هويته، ويتخذ أسلوبه المميز والمتصل في آن واحد بالفنون العربية. وتظهر أعمال الفنان الراحل عيسى صقر تأثرا واضحا بالفن المصري، خاصة وأنه درس في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة. ويعد الفنان عيسى صقر نحاتا اكثر منه رسامآ، وخطوطه التكوينية المختصرة اقرب إلى التصميم التكويني، من خلال محافظتها على التشريح كأساس يستند عليه التكوين، بخطوطه المنحنية التي تدخل في إطار التشكيل، واستخدام التكنيك في الملمس الخشن بأنواعه لإظهار قيمة الناحية الأثرية (الزفنة) كما هي موجودة في التماثيل الفرعونية.
وبالنسبة للفنان سامي محمد، فإن تأثره بالفنون العربية يظهر من خلال اهتمامه بالمضمون الإنساني، حيث المعاناة التي يعيشها الإنسان العربي لأسباب وعوامل كثيرة وفي ظل ظروف قاسية. ومن خلال لوحته "تكميم الأفواه" يبين انعكاس الحالة العربية التي يعاني منها الإنسان في الوطن العربي، خاصة وهى تعكس تهتك الجسد لمحاولات هذا الإنسان تكميم الأفواه- سامي محمد الخروج من دائرة الصمت المكره عليه، ومن حالة الظلم المفروضة ومن شبح الهلاك المحدق. وللفنان حميد خزعل نصيبه من التأثر بالفن التشكيلي العربي من ناحية المضمون، فأعماله تعكس حالة المتناقضات التي يعيشها الإنسان العربي، و أعمال القمع التي يتعرض لها، والظروف القاسية التي يعيشها، بحيث باتت هذه الحالة تسيطر على معظم أعماله. وقد قام الفنان حميد خزعل بتجريد الإنسان من رأسه وأطرافه، ووضعه في وضعية مقاوم الرياح القادمة من كل الاتجاهات في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تركه وسط صمت قاتل وقد تعب من حالة الانتظار والترقب (أوكسجين- ألوان زيتية على قماش 40×30 إنش).
ويتشابه أسلوب الفنان الراحل احمد عبد الرضا في السرد والتعبير مع أسلوب خزعل. ولكن احمد عبد الرضا كان لديه معالجات مختلفة للخامة المستخدمة وهى الكولاج. فهذه الخامة تكرر مؤثرات فوتوغرافية متشابهة بغرض تكوين عناصر تشكيلية تخدم الموضوع، بمعنى انه استخدم التكنيك الفوتوغرافي
ووظفه للتعبير المرئي. اما تأثره بالفن العربي، فكان فكريا فلسفيا حيث عالج آلية و هشاشة العقول في الوطن العربي خاصة والعالم الثالث عامة، وتجريدها من صفتها الإنسانية على أيدي الأنظمة الاستبدادية.
من جهته قام الفنان محمد قمبر بتطوير العناصر والمفردات التشكيلية الإسلامية والعربية، وتحليلها تشكيليا بتحريرها من حدة الخط وتفكيك وحدتها البنائية الزخرفية، وادخلها في بحر التشكيك حيث تهيم وتسبح وسط فضاء ملون له معالمه وتوافقه اللوني (امرأة من الشرق). وأصبح اللون الجديد عنده هو الوسيط الذي يوطد العلاقة بين الألوان ويحقق الانسجام بينها وبين الخطوط الأندلسية لتحقيق معادلة التشكيل.
وللفنان عبد الرسول سلمان نصيب من التأثر بالفن التشكيلي العربي، فقد عالج الحصان العربي بشكل هلامي في بعض لوحاته، مستخدما الديناميكية الحركية في إظهار الصورة الإبداعية الإنسانية والتي تحدد انطلاقته خارج حدود اللوحة والبرواز. والتشكيل عنده يدفع التكوين إلى الحركة، ويغلفها بنهايات إيحائية ذات مدلولات لا نهائية. والمضمون عنده مصقول غريب، والخط واللون يخرج عن إطار التصميم التشكيلي إلى عالم التشكيل الهلامي المتحرك.
وعكست عناوين لوحات الفنان جعفر دشتي مشاعر إنسانية عربية، وقضايا فكرية شغلت وما تزال مساحة كبيرة من اهتمام الإنسان العربي وتبدى ذلك أيضا في الأعمال النحتية للفنان. ولكنه أضاف عليها عامل التكنيك ونوعية الخامات المختلفة وإدخالها مع بعضها لاستخراج مؤثرات خاصة.
وتأثر الفنان عبد العزيز آرتي بالأسلوب التأثيري، سواء كان في الإنتاج الفني العربي أو الغربي. وكان تأثره في بداية مشواره الفني بالفنان محمد حسني البناني، وكذلك بالفنانين يوسف كامل واحمد صبري وصبري راغب وجمال كامل، بحيث شكل مزيجا أعطاه خصوصية تمثلت في الاعتماد على تحليل اللون والضوء واختزال التفاصيل بصورة بعيدة عن آلية التصوير والاهتمام بعالم اللون الممزوج لإعطاء صفة الحياة للوحة.
خاتمة
مما لا شك فيه إن الفنون في أي مكان وفي كل مكان ملك للبشرية، ولها مطلق الحرية في التأثر بعضها ببعض من دون ان يعني ذلك النقل أو التقليد البعيد عن الخصوصية والتفرد.
وإذا كانت هذه الحقيقة موجودة على النطاق الإنساني بأسره، فمن الأولى ان يكون لها وجودها على النطاق العربي، خاصة وان الإنسان العربي نبت تراث ثقافي واحد، وتاريخ مشترك متقارب، وصاحب عقيدة واحدة وتقاليده وعاداته وطموحاته متقاربة ومتشابهة مهما كان الحديث عن خصوصياتها. وفي ظل هذه المعطيات المعروفة من الطبيعي أن تتشابه إبداعات الإنسان العربي، وان يتأثر فنانو هذا الوطن من محيطه إلى خليجه ببعضهم، بشرط أن يكون لكل فنان لمسته أو لمساته الخاصة، وان يكون له تفرده وخصوصيته حتى لا يكون مسخا لغيره أو نقلا عنه. والفن التشكيلي في الكويت، ومع تفرده وتعبيره عن البينة الكويتية بخصوصياتها، هو في نهاية المطاف جزء من الفن التشكيلي العربي أو رافد من روافده. التأثر والتأثير من الأمور المشروعة في عالم الإبداع، بكافة صوره وأشكاله، لان في ذلك ترجمة حقيقية وتعبيرا فعليا عن وحدة الكون، وهو على النطاق العربي اكثر من مشروع لأنه تعبير عن حالة عربية واحدة في الأصل والتاريخ والحضارة والتكوين الثقافي والفني.
  • الكويت في قلب الثقافة العربية ـ وكالة الانباء الكويتية [اصدار خاص بمناسبة اختيار الكويت عاصمة للثقافة العربية2001]
     

 

 

 

 

ALTSHKEELY.com