التشكيل الكويتي

فنون عربية وعالمية

الفن وما حوله

فنون العمارة

كتاب في سطور

ورقة من حياة فنان

متاحف عالمية

حوار ورأي

حرف

قراءات

قاموس التشكيلي

تشكيل الحياة

أجراس

العودة للأولى

 

 

 

 

  د.عبدالله تقي


 

عبدالله القصار

عبدالله القصار

حميد خزعل

حميد خزعل

محمود الرضوان

محمود الرضوان

 

محمد البحيري

محمد البحيري

عنبر وليد

عنبر وليد

ناصر الرفاعي

ناصر الرفاعي

 
  • لكي نتعرف على بداية الفن التشكيلي في الكويت علينا أن ننظر في تلك الأعمال اليدوية التي كان الأطفال الكويتيون  يشغلون بها أنفسهم بصورة تلقائية يوم أن كانت الكويت بلا مدارس حديثة تهيمن على حياتهم على النحو الذي نشاهده الآن، بحيث أصبحت المدرسة محور حياة الطفل مما جعله غير قادر على التفكير بصورة إيجابية في أي شيء خارج نطاق متطلبات المدرسة وتأثيرها العام عليه. لقد كان الأطفال الكويتيون في الماضي يمارسون الكثير من الفاعلات العملية ذات الصفة التشكيلية مثل صناعة الألعاب التي كانوا يتلهون بها مثل "الفرارة" و "الطيارة" من الورق الملون و"الكاري" من أطواق الحديد و"بلاع البيزة" من الصلصال (الذي كان يظهر في موسم الأعياد خاصة، أي عندما تكون هنالك بيزات قابلة للبلع)، أو صناعة الأدوات التي كانوا يستخدمونها في صيد الطيور والأسماك مثل "الصلابة" و"النباطة" و"السعلوة"، وما إلى ذلك من ممارسات عملية كانت تشكل جانباً هاماً من خبراتهم التكوينية. 
     وبعد أن تغلغلت المدرسة الحديثة في حياة المجتمع الكويتي وأصبح الأطفال يقضون جل أوقاتهم فيها أصبحت تلك الفاعليات تمارس من قبل الأطفال داخل المدرسة، نظراً لما كانت تتميز به المدرسة الحديثة في ذلك الحين من مرونة  وقدرة على مراعاة حاجات التلاميذ وميولهم الفطرية. ومن بين تلك الممارسات العملية التي دخلت المدرسة بدخول الأطفال إليها وأصبحت تعتبر جزءاً من المنهج المدرسي الرسم والتشكيل بالصلصال. غير أن هذه الفاعليات الفنية بعد أن استقرت داخل سور المدرسة طرأت عليها تحولات أدت إلى فقدان هويتها الأصلية وقضت على دورها التكويني في حياة الأطفال الكويتيين، وقوضت ارتباطها العضوي بالبيئة الطبيعية وبحياة الناس الاجتماعية والاقتصادية ، وجعلتها عرضة للتأثر بالفنانين الغربيين وتقليد أساليبهم الفنية. ومما أدى إلى تكريس هذا الإتجاه ظهور بعض المؤسسات الخاصة والعامة التي تعني بالفنون التشكيلية من نواحي مختلفة في أواخر الستينات.


 واليوم يعتبر الفن التشكيلي في الكويت مظهراً مرموقاً من مظاهر التطور الحضاري الذي طرأ على البلاد منذ بداية الخمسينات تقريبا، وأعمال الفنانين الكويتيين تحظى بإهتمام الناس داخل البلاد وخارجها، مما حقق لهم ولوطنهم مكانة مشرفة في هذا المضمار. 
 ولكن يجب أن لا ننبهر كثيراً بهذه المظاهر وأشباهها، ذلك أن قيمتها تكاد تكون محصورة في حقيقتها الزخرفية، فليس ثمة رابط يربطها بواقعنا المعاش ولا بأصولنا الإعتقادية ومثلنا العليا. فمن الواضح أنه أمة من الأمم علينا أن نتحرى مدى ارتباطها بهويتها الثقافية ونظمها الاجتماعية والاقتصادية. بل علنيا أن نتعرف على مدى تعبيرها عن عقيدتها الروحية وما تستدعيه من قيم إنسانية ومثل عليا. فعندئذ يصبح بالإمكان معرفة ما إذا كان الفن بالفعل يؤدي ذلك الدور الحيوي الضروري الذي في وسعه أن يؤديه. إن الهدف من كتابة هذا المقال هو تحديد الشروط التي يجب أن تتحقق لكي يصح لنا القول بأن الفن عندنا يؤدي ذلك الدور بصورته المثلى. 
 إن أول هذه الشروط هو أن يكون الفن نافعاً مفيداً. فكل عمل فني لا بد من أن يكون له نفع، سواء كان هذا النفع نفعاً مادياً أو روحياً. وهذا يعني إن العمل الفني يجب أن يراد به خير الإنسان بحيث يكون ملائماً لتحقيق إنسانيته، وأي عمل ليس مناسباً لهذا الغرض أو يحول دونه فيجب استبعاده وتلافيه . فالأعمال التي لها مفعول رمزي يجب أن تساهم في تنمية قدرات الإنسان الإدراكية والذهنية، وذلك حسب طبيعتها الخاصة المميزة، وذلك حسب طبيعتها الخاصة المميزة. فبعض هذه الأعمال يجب أن يعيننا على مشاهدة الأشياء على ما هي عليه بوضوح وبكل ما لها من خصوصية وتفرد، وبعضها يجب أن ينمي فينا القدرة على التأمل الخيالي للأشياء الذي يؤدي إلى حصول تحول مظهري فيها، وبعض هذه الأعمال ينبغي أن ينمي فينا القدرة على تمييز الخصائص والعلاقات الإبصارية، مثل الرشاقة والأناقة والتوازن والتباين والانسجام. ففي ذلك كله من المنافع التي من شأنها تحقيق إنسانية الإنسان ما لا يخفي. فالذي اعتاد أن يرى الأشياء على ما هي عليه إلى تمويهها أو إظهارها على غير حقيقتها الموضوعية، كما أن خصوصية وتفرد سوف تجعله يرفض الآراء والتصورات التعميمية الجامدة التي من شأنها أن تجعل نظرته تجاه الأفراد والأوضاع والأحداث نظرة غاشمة مجحفة. أما القدرة على التأمل الخيالي فإنها تعمق رؤية الإنسان وتزيدها ثراءً كما تعمق تجربته الوجودية بحيث يصبح نطاقها غير محدود بمجال الخبرة الحسية. وأما القدرة على تمييز الخصائص والعلاقات ألا بصارية فهي أيضا تعمق الرؤية وتشخصها، وهذا من شأنه أن يجعل عقل الإنسان أكثر نضجاً واكتمالا. 
 ومن ناحية أخرى فينبغي أن تكون من بين هذه الأعمال الرمزية طائفة تستهدف إثارة المشاعر الإنسانية وتشخيصها،  وهذا ليس أمراً مرغوباً فيه لذاته فحسب وإنما أيضاً لأهميته العملية، فمن المعروف أن الإنسان لا يتخذ موقفا عمليا تجاه ما يصادفه من أوضاع وأحداث ما لم تهتز لها مشاعره وأحاسيسه الوجدانية، وذلك بصرف النظر عن مدى إحاطته بجوانبها الموضوعية أو الأخلاقية. 
 لعل خير ما يبين لنا إمكانية توظيف الفن فيما ينفع الناس هو قيام الفنانين التشكيليين بتصميم وتنفيذ الملصقات والأعمال الجدارية في المرافق العامة، أو الأجهزة التي تزود بها ملاعب الأطفال، وكذلك الكتب المصورة ذات المضامين القصصية أو العلمية أو التاريخية أو الفنية أو التهذيبية أو الفكاهية. فبمثل ذلك يتمكن الفنان من توطيد الصلة بين فنه وبين الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي ينتمي إليه، وذلك بصورة حقيقية فعالة. 

 

محمد البحيري

 

عنبر وليد

أما الشرط الثاني الذي يجب أن يذكر ضمن الشروط الضرورية لتأصيل الحياة الفنية هو المعقولية. إن ما يفترضه هذا الشرط هو أن يكون العمل الفني من ما يمكن تغفله وإدراكه بحيث يستدعي ذلك توظيف العمليات الإدراكية، الحسية والذهنية، في المشاهد كما يفترض أن يكون كل ما نشاهده أو نشعر به متأصلاً في صلب العمل ومترسخا فيه باعتباره أساسه المادي. وما لم يكن ذلك فإنه لا يصح لنا أن نقول أن استخدامنا للعمل قد تم على الوجه الصحيح من حيث هو عمل فني، كما لا يصح لنا أن نقول أن معاناتنا له هي معاناة فنية حقيقية، وذلك مهما بدت القيمة التي نعطيها لهذه المعاناة عظيمة. فهذه القيمة قد تكون مفروضة علينا من خارج فرضاً اعتباطيا بواسطة مؤثرات لا تمت إلى العمل من حيث هو عمل فني بصلة. ومن ناحية أخرى فإن القيمة التي نعطيها للعمل قد تكون ناجمة من عوامل ذاتية أو مزاجية محضة لا دخل لها بالعمل الفني من حيث هو عمل فني. إنها في الحقيقة قيمة ذاتية مزاجية ليست ناتجة عن عملية إدراك حقيقية يحصل فيها التفاعل بين العمليات الحسية والذهنية وبين البنية المادية للعمل. 

وبناءً على ذلك علينا أن نميز جيداً بين نوعين من القيم. فمن ناحية هنالك القيم التي تحصل نتيجة لعملية إدراك حقيقية على النحو الذي بينا، ومن ناحية أخرى هنالك القيم التي تحصل بشكل اعتباطي غير عقلاني بتأثير ما يختلج في نفوسنا من هواجس وأحاسيس ذاتية أو بتأثير ما نتعرض له من جذب أو ضغط خارجي. والفرق بين هذين النوعين من القيم ظاهر. ففي حين أن النوع الأول - أي القيم التي تحصل من عملية إدراك فعليه تستخدم فيها القوى الحسية والعقلية - قيم تخرج الناس من الظالمات إلى النور وتغرس فيهم حب الفضيلة وتجعلهم يميلون إلى التعامل مع الأشخاص والأشياء بإحسان وإحساس، نجد أن النوع الآخر من  القيم - أي القيم التي تحصل بشكل اعتباطي لا عقلاني بتأثير الهواجس الذاتية المزاجية أو الضغوط والحوافز الخارجية - لها عكس ذلك المفعول تماما، فهي حقاً تخرج الناس من النور إلى الظالمات، فتعطل ملكاتهم الحسية والذهنية وتسلبهم صفاتهم الإنسانية الحميدة بما تسببه لهم من تعصب وجمود ورغبة في  التسلط والتقليد. 
 إن موضوع القيم هذا أمر في منتهى الخطورة، فهو لا يحتمل التجاهل أو عدم الاكتراث لذا فلنتأمله ملياً ولتفهمه جيداً، فثمة قيم ترتقي بنا إلى أعلى مراتب الآدمية، وأخرى تهبط بنا إلى أدنى درجات البهيمية. 
وبالرغم من أن هذين النوعين من القيم يظهران في كل أنماط الخبرة البشرية إلا أن طبيعتهما المتقابلة هذه لا تبرز في مجال من مجالات الخبرة كما تبرز في الفن. وهذه الحقيقة في ذاتها تكفي لدلالة على ما للفن من أهمية في المجتمع الإنساني. 
وإلى جانب هذين المطلبين أو الشرطين اللازمين لتأصيل الفن وجعله قادراً على أداء دوره الضروري الحيوي، اللذين يمكن أن نعبر عنهما بشرط النفعية وشرط المعقولية، هنالك شرط ثالث ينبغي أن نضعه في الاعتبار ألا وهو شرط الاستقلالية. إن ما يتطلبه هذا الشرط هو أن يكون العمل الفني منبعثاً من أصولنا الاعتقادية وقيمنا الحضارية ومثلنا العليا ونظرتنا العامة إلى الإنسان والكون. ولهذا السبب قد يرى البعض أن هذا المطلب له اتجاه انعزالي، أو حتى استعلائي، تجاه الشعوب الأخرى وثقافاتهم. إلا أن ذلك بالنسبة لنا بعيد عن الصحة، فأصولنا الاعتقادية وقيمنا ومثلنا، كما يجسدها ديننا الإسلامي الحنيف لا تحثنا على إدارة ظهورنا للشعوب الأخرى وثقافاتهم ولا على الاستعلاء عليهم، بل يؤكد لنا أن الاختلافات بين الشعوب والأجناس إنما وجدت من أجل أن يحصل بينهم "التعارف"، وأن ملاك الأفضلية في الإسلام هو التقوى (وهذا لا يخص قوماً بعينهم وإنما يشمل الناس جميعاً). 
" يا أيها الناس ، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير"  (الحجرات : 13). 
وهذا يعني فيما يعني أن التكامل الإنساني يتوقف على التفاعل والتبادل بين الناس أجمعين على اختلاف أجناسهم وثقافاتهم، مما يؤكد على أن الإسلام يبيح الأخذ عن الآخرين، طالما أن ما يؤخذ لا يتعارض مع الأصول والقيم الإسلامية، ولا يخرج عن حدود الضرورة والإفادة. فالإسلام إنما يعترض على الأخذ الاعتباطي أو التقليد الأعمى، لأن ذلك يسلب الإنسان استقلاليته ويعطل ملكاته، وبذلك يكون الإنسان قد ضيع أهم صفاته الإنسانية التي بدونها ينقرض وجوده وتنهار حضارته. 
 وما يصدق على الأمة بمجموعها يصدق كذلك على الفرد. ففي وسع الفنان أن يطلب الخبرة أو الفكرة حيثما يشاء طالما أن هذه الفكرة وتلك الخبرة تنسجم مع ما لديه من قيم وأصول. بيد أن ما يأخذه على هذا النحو ينبغي أن لا ينعكس بصورة مباشرة في عمله الفني، بل عليه أن يستوعبه أو يتمثله أولاً، بحيث يصبح متضمناً في رؤيته الخاصة فيغيرها تغييراً نوعياً. وبالنظر إلى أن العمل الفني يصدر من رؤية الفنان، لذلك فإن الفكرة أو الخبرة المقتبسة تدخل في العمل ولكن ليس في صورتها الأصلية، وإنما في صورتها المعدلة التي تحصل بعد أن يتم اندماجها في رؤية الفنان وتصبح متحدة في نسيجها الداخلي. 
 قد يندهشن القارئ لعدم ورود في هذه المقالة حتى الآن أي ذكر عن قضية التصوير في الفن الإسلامي. أنا شخصياً أرى أن الإصرار على طرح هذه القضية في كل مناسبة يرد فيها ذكر عن موقف الإسلام من ا لفن يخفي وراءه تصوراً غير صحيح عن الفن وعن الإسلام على حد سواء. إن الفن والتصوير ليسا شيئاً واحداً، كما انه ليس من الصحيح اعتبار قضية التصوير قضية محورية في التصور الإسلامي للفن، فالفن أساساً هو الخبرة العملية التي بها يتمكن الإنسان من تشكيل المادة على هيئة محددة بحيث تصبح ملائمة للانتفاع بها في قضاء حاجاته المادية والمعنوية. وتشكيل المادة على هيئة محددة لا يفترض بالصورة المحاكاة أو التمثيل الذي غالباً ما يعتبر ملاك التصوير. فالاختلاف في المفهوم بين الفن والتصوير إذن ظاهر. 
ولكي نتعرف على حقيقة التصور الذي يطرحه الإسلام للفن علينا أن نستظهر أولاً التصور الإسلامي للإنسان وكذلك التصور الإسلامي للعالم من أجل أن نتعرف على طبيعة العلاقة بينهما كما يراها الإسلام، ومن يصبح في مقدورنا معرفة حاجات الإنسان المختلفة من لباس وسكن وحلية ومتاع،  ومعرفة كيف ينبغي له أن يتعامل معها وينظر إليها. بذلك نتعرف على حقيقة التصور الإسلامي للفن، وليس بطرح قضية التصوير من حيث هو مباح أو غير مباح، وهنا قد يتبادر إلى ذهن القارئ هذا السؤال : ماذا تعني تلك الأحاديث التي تروي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والتي يرد فيها ذكر التصوير والمصورين ؟ فأقول إن أي محاولة لفهم رأي الإسلام في التصوير والمصورين لا تضع في الاعتبار التصور الإسلامي للإنسان والتصور الإسلامي للعالم ما هي إلا محاولة ساذجة (ولا أقول مغرضة)، ليس من شأنها أن تؤدي إلى نتيجة مقنعة. 
 لذلك يجب علينا قبل كل شيء أن نتأكد من سلامة المنهج قبل أن نخوض في جدال قد يضر ولا ينفع.  وأخر دعوانا أن الحمد لله  رب العالمين.

 

 

   

ALTSHKEELY.com